آخر الأخبار :
 

النموذج التنموي الجديد وسؤال الهجرة والهجرة المضادة

لعل الهجرة والهجرة المضادة تشكل اليوم بدون منازع معضلة المعضلات المعاصرة،ولن يتمتع النموذج التنموي الجديد بأي شيء من المصداقية أو الإقناع مما قل شأنه أو كثر،ما لم يأتي بصددها بحلول عملية وفعالة تخفف من وطأتها وتداعياتها على البلاد والعباد،هذا من جهة المصداقية والإقناع والحماسة للعمل والانخراط الواسع في المشروع والنضال،ومن جهة أخرى،أن العديد من القضايا المجتمعية والسياسية والتنموية الأخرى والمعقدة ترتبط بها ارتباطا عضويا،وبالتالي حلها يتوقف بالضرورة على حل معضلة الهجرة،وتفاقمها رهين بتفاقمها؟؟.

          لن ندخل في الأسباب والمسببات،ولا في الإحصائيات والتجليات،ولا حتى في الحلول والمقترحات،بقدر ما سنركز على خطورة وأولوية موضوع هذه الآفة الوطنية والدولية الخطيرة،وضرورة بلورة المخططات والسياسات بمنظورها يعني منظور الهجرة وفي ديلمها المعقد ومركبها الجهنمي،يعني منظور الهجرة واستفحالها في كل المجالات وعلى مختلف المستويات ولدى كل الفئات،الشيء الذي إذا ما حصل كان البوابة الكبرى لغيره من الحلول والمقترحات،الهجرة اليوم بكل أشكالها الصارخ والعلني والقانوني والدولي،أو الصامت والقسري وغير القانوني والمحلي،كلها ترخي بظلالها وتأسر بشبكاتها وتغرق ببواخرها كل الفئات والطبقات والأجناس وفي اتجاهات ومتاهات غالبا ما تكون عكس ما يصبو إليه الجميع؟؟،فهناك مثلا طيف من الهجرات المعقدة ومنها:

 

  • هجرة الساكنة من الأرياف إلى المدن..تريف المدن ولا تمدن الأرياف،مع ما يتعرض له المهاجرون من البداية وربما على الدوام من الغربة وعدم الاستقرار،وفقدان الشغل والسكن..؟؟،
  • هجرة المعطلين والمعطلات ضحايا السمسرة..والعبودية الجديدة في دول المهجر..غاية ما قد يتوفر لهم الكنس في الشوارع والنذالة في الملاهي والمقاهي ورعاية الشيوخ والمرضى..؟؟،
  • هجرة اللاجئين..ممن فقدوا الأمن في بلدانهم..نتيجة الحروب العدوانية أو الأهلية أو القمع والكبت السياسي،وليست هذه الأجناس من الأفارقة فحسب بل من غيرهم من المشارقة أيضا؟؟،
  • هجرة الأدمغة والطاقات المهملة من الأطباء والمهندسين والمقاولين واللاعبين والطلبة والمبدعين وبلدهم أحوج ما تحتاج إليهم،وهي التي أنفقت ما أنفقت على تكوينهم،ولا يعز عليها أن يستفيد منهم غيرها؟؟،
  • هجرة الأفارقة بسبب الفقر والهشاشة والبحث عن فرصة أفضل..والمكوث في البلد بدل مجرد العبور عبره إلى وجهاتهم الأوروبية،لكنهم يمكثون رغم ما يسببونه لدول المكوث من مشاكل أقلها معاناة وتعقيدات الإدماج؟؟،
  • هجرة النساء والفتيات..لتجارة الرقيق في دول المشرق..أو الفلاحة الموسمية في إسبانيا والندالة في إيطاليا..رغم أن ذلك يحرم أزواجهم وأبناؤهم..ويفجر بعدها أسرهم و يشوه أنوثتهم وآدميتهم؟؟،
  • هجرة الأطفال..إلى أسواق سبتة ومليبلية وملاجىء إسبانيا وإيطاليا وألمانيا..بدل مدارسهم ومتاجر آبائهم..وسرعان ما لا يجدون بعدها عند غلق مجرد المعابر،لا هجرة ولا عمل ولا مدارسهم ولا أسرهم؟؟،
  • هجرة من أجل الاستشفاء..والسياحة..والدراسة..والتسوق..والقمار..والفساد ربما..نتيجة الخوف وفقدان الثقة في مؤسسات البلاد،ورداءة خدماتها التي لا تضمن لهم شيئا،سوى كبت الحريات وتفاقم العلات؟؟،
  • هجرة "الداعشيين"..إلى الاسترزاق في حروب الشرق والغرب التي لا ناقة ولا جمل لهم فيها..ولكنهم يكونون بالتأكيد حطبا رخيصا لها،أو ربما من أجل تفجير تطرفهم و كراهيتهم وإحياء ما يعتقدونه جهاد النكاح؟؟،
  • هجرة الأرصدة ورؤوس الأموال..إلى أبناك فرنسا وسويسرا وأمريكا وغيرها..والإحصائيات كل سنة في تزايد رغم كونها قد تضاهي ميزانيات بلدانها الأصلية،والتي هي في أمس الحاجة إليها؟؟،

               و أخطر من هذا كذلك،هجرة صامتة و صارخة داخل الوطن،وهي بمثابة المرض الصامت يدب خرابه في كل أوصال الجسد..ولا تحس له وجعا ولا صداعا،ولكن طال الزمن أو قصر لابد آت على صاحبه وهالك له لا محالة،ومن ذلك:

  • هجرة داخل الذات..والهوية والمرجعية والانتماء..والارتماء في أحضان فكر وثقافة الآخرين،إلى درجة أن كثيرا من هؤلاء الضحايا المستلبين قد يتنكرون لكل شيء و"يأكلون الغلة ويسبون الملة"،ولا معنى عندهم إلا للوصول بسرعة وأقل جهد ممكن وبالطرق غير المشروعة،ولو كانت تستعين بالشيطان ويستقوون بكيده ؟؟،
  • هجرة داخل الوطن..كمن ينادي في بله وعته بحرق البطاقة الوطنية و جواز السفر..وحرق العلم الوطني وإسقاط الجنسية..ولا يكترث بسب الوطن ونشر غسيله في كل مرة بمناسبة وغير مناسبة،داخل الوطن أو خارجه؟؟،
  • هجرة سياسية ودبلوماسية..يهتم فيها أبطالها الكرتونيين بهموم ومشاكل الدول الأخرى أكثر من دولهم..فلا تجد لهم سياسة إلا تابعة لدول الأقوياء..ومستثمرة في دول الضعفاء..والكل أكثره من باب الدعاية و دبلوماسية الواجهة والوجاهة؟؟،
  • هجرة داخل المؤسسات..كالمسؤول الذي يلج إلى منصبه دون كفاءة..ويتشبث بالكرسي ودونه ودونه الطوفان..فتجده يخالف القانون ويتلاعب بمصالح الموطنين ..ويكيل بمكايل مزاجية ما أنزل الله بها من سلطان..؟؟،
  • هجرة ومغادرة طوعية جماعية ومتفاقمة للتطبيع مع التخلف..ومحاربة المصلحين وتشويه رموزهم وتسفيه برامجهم عنادا ليس إلا..وتخريب الملك العمومي أثناء الاحتجاج أو أثناء النزهة والمتعة فقط،مما يولد في الناس على الدوام الكثير من اليأس والإحباط وفقدان الأمل وكثير من الاحتقان،؟؟،

            ترى هل سيملك النموذج التنموي الجديد،طرحا عمليا لكل هذه المعضلات والتي عنوانها الأبرز هو الهجرة والهجرة المضادة،هل سيكون لديه ما يمكنه من أن يفك به هذا(خلط جلط)،مثل قولهم أن الهجرة معضلة عالمية وحلها لا يمكن إلا أن يكون عالميا،ليبقى السعي والتسول بها لدى كل الدول والمنظمات دائما،وربما إلى درجة تتمنى فيها الدول المتسولة ألا تحل هذه المعضلة بل أن تتفاقم وتضمن لهم المزيد والمزيد من التعاطف والمساعدات؟؟،هل سيملك هذا النموذج التنموي الجديد حلا لهذا(خلط جلط)،الذي لا يرى إشكالا في أن تكون الدولة دولة العبور للمهاجرين..وأيضا دولة الاستقبال لهم.. بل وكذلك الدولة المصدرة لهم من ذويها ومن الوافدين عليها في نفس الوقت،إنه(خلط جلط)؟؟.

الحبيب عكي

 





رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://www.tetouanplus.com/news19215.html
نشر الخبر : الإدارة
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار